الشيخ محمد رشيد رضا

671

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

روى أبو الشيخ عن ابن جريج أن هذا نزل في المستهزئين الذين سألوا رسول اللّه ( ص ) الآية ، وأخرج ابن جرير مثله عن محمد بن كعب القرظي مفصلا فذكر انهم ذكروا له إخباره بعصا موسى واحياء عيسى الموتى وناقة ثمود وطلبوا منه أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأقسموا باللّه لئن فعل ليتبعنه أجمعين ، فقام ( ص ) يدعو فجاءه جبريل فخيره بين أن يصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم اللّه إذا لم يؤمنوا - أي عذاب الاستئصال حسب سنته تعالى كما تقدم في هذه السورة - وبين أن يتركهم حتى يتوب تائبهم ، فاختار الثاني فأنزل اللّه فيهم « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ » حتى « وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » أي فأنزل اللّه هذه الآيات في ضمن السورة التي نزلت دفعة واحدة ، وتقدم تحقيق مثله مرارا وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أي انكم ليس لكم شيء من أسباب الشعور بهذا الامر الغيبي الذي لا يعلمه الاعلام الغيوب سبحانه وتعالى وهو انهم لا يؤمنون ان جاءت الآية . والخطاب للمؤمنين الذين تمنوا مجيء الآية ليؤمنوا والنبي ( ص ) معهم وقيل لهم وحدهم ، ويؤيد الأول رواية دعائه بذلك ورواية طلبه القسم منهم ليؤمنن بها . وقد غفل من غفل من المفسرين عن كون الاستفهام انكار يا نافيا لشعورهم بهذا الامر الثابت عنده تعالى في علم الغيب فذهب إلى أن المعنى وما يشعركم انهم يؤمنون إذا جاءت ؟ فجعلوا النفي لغوا ، وذهب بعضهم إلى أن « أنها » بمعنى لعلها ، ونقلوا هذا عن الخليل وجاؤوا عليه بشواهدهم في غنى عنه وعنها . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلاف عنه عن عاصم ويعقوب « انها » بكسر الهمزة كأنه قال : وما يشعركم ما يكون منهم إذا جاءت ؟ وكأنهم قالوا ما ذا يكون منهم ؟ فأخبرهم بذلك قائلا : انها إذا جاءت لا يؤمنون . وقرأ ابن عامر وحمزة « لا تؤمنون » بالخطاب للمشركين ، وهو كسابقه التفات وتلوين * * * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ هذا عطف على قوله « لا يُؤْمِنُونَ » وبيان لسنة اللّه تعالى في عدم ايمانهم برؤية الآية . أي وما يشعركم أيضا أننا نقلب أفئدتهم عند مجيء الآية بالخواطر والتأويلات ، والتفكر في استنباط الاحتمالات ، وأبصارهم في توهم التخيلات ، كشأنهم في عدم ايمانهم بما جاءهم أول مرة من الآيات ، وقيل الضمير في قوله « بِهِ » للقرآن ، وقيل للنبي عليه